أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
82
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الرابع : أنه خبر مبتدأ محذوف ، والجملة في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أظهرهما : أنه الضمير المستكن في « الْقاهِرُ » . والثاني : أنها حال من الضمير المستكن في الظرف ، كذا قال أبو البقاء ، ونقله عنه الشيخ ، وقال : « وهذا الوجه أضعف الأعاريب » . وقولهما : الضمير الذي في الظرف ، ليس هنا ظرف يتوهم كون هذه الحال من ضمير فيه إلّا قوله : « فَوْقَ عِبادِهِ » ، ولكن بأي طريق يتحمل هذا الظرف ضميرا ؟ والجواب أنه قد تقدم في الآية المشبهة لهذه أن « فَوْقَ عِبادِهِ » « 1 » فيه خمسة أوجه ، ثلاثة منها يتحمل فيها ضميرا ، وهي كونه خبرا ثانيا ، أو بدلا من الخبر ، أو حالا ، وإنما اضطررنا إلى تقدير مبتدأ قبل « يُرْسِلُ » ، لأن المضارع المثبت إذا وقع حالا لم يقترن بالواو ، وقد تقدم إيضاح هذا غير مرّة « 2 » . والخامس : أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك ، وهذا الوجه هو في المعنى كالثاني . وقوله : عَلَيْكُمْ يحتمل ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه متعلّق ب « يُرْسِلُ » ، ومنه : يُرْسَلُ عَلَيْكُما « 3 » ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ * « 4 » ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً « 5 » ، إلى غير ذلك . والثاني : أنه متعلّق ب « حَفَظَةً » ، يقال : حفظت عليه عمله ، فالتقدير : ويرسل حفظة عليكم . قال الشيخ « 6 » : أي : يحفظون عليكم أعمالكم ، كما قال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ، كما تقول : حفظت عليك ما تعلم » ، فقوله : كما قال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ « 7 » تشبيه من حيث المعنى ، لا أنّ « عَلَيْكُمْ » تعلق ب « حافظين » ، لأن « عَلَيْكُمْ » هو الخبر ل « إِنَّ » ، فيتعلق بمحذوف . والثالث : أنه متعلّق بمحذوف على أنه حال من « حَفَظَةً » ، إذ لو تأخر لجاز أن يكون صفة لها . قال أبو البقاء : « عَلَيْكُمْ » فيه وجهان : أحدهما : هو متعلق ب « يُرْسِلُ » . والثاني : أن يكون في نية التأخير . وفيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق بنفس : « حَفَظَةً » ، والمفعول محذوف ، أي : يرسل عليكم من يحفظ أعمالكم . والثاني : أن يكون صفة ل « حَفَظَةً » ، قدمت فصارت حالا انتهى » . قوله : والمفعول محذوف ، يعني مفعول « حَفَظَةً » إلا أنه توهم أن تقدير المفعول خاص بالوجه الذي ذكره ، وليس كذلك ، بل لا بدّ من تقديره على كل وجه . و « حَفَظَةً » إنما عمل في ذلك المقدّر لكونه صفة لمحذوف ، تقديره : ويرسل عليكم ملائكة حفظة ، لأنه لا يعمل إلّا بشروط ، هذا منها ، أعني : كونه معتمدا على موصوف . « حَفَظَةً » : جمع حافظ ، وهو منقاس في كل وصف على
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 18 ) . ( 2 ) انظر الكلام على آية ( 42 ) ، ( 259 ) من سورة البقرة . ( 3 ) سورة الرحمن ، آية ( 35 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآيات ( 133 - 162 ) . ( 5 ) سورة الفيل ، آية ( 3 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 147 ) . ( 7 ) سورة الانفطار ، آية ( 10 ) .